شهد قطاع الإيجارات السكنية في السعودية انخفاضاً ملحوظاً في قيمة الصفقات خلال مايو الماضي بنسبة 71% على أساس سنوي، لتصل إلى حوالي 987 مليون ريال، وفقاً للبيانات الحكومية التي حصلت عليها صحيفة الاقتصادية. وجاء هذا التراجع رغم ارتفاع عدد الصفقات بنسبة 8% ليصل إلى 263,144 صفقة، وهو ما يُعزى إلى أثر قرارات التوازن العقاري التي أُعلنت مسبقاً.
وفي مارس من العام الماضي، أصدرت الحكومة توجيهات لتحقيق التوازن في القطاع العقاري، في ظل الارتفاع الملحوظ في أسعار الأراضي والإيجارات، خاصة في الرياض. وتضمنت هذه التوجيهات رفع التجميد عن عدد من الأراضي شمال الرياض، وتوفير أراضٍ سكنية ميسورة التكلفة، للحد من ارتفاع الأسعار وزيادة المعروض. كما شملت هذه الإجراءات وضع سقف على زيادات عقود الإيجار السكني، وتسريع تطوير الأراضي البيضاء، لتعزيز التوازن بين العرض والطلب.
فهد المطوع، رئيس مجلس إدارة عدد من الشركات العقارية، أشار إلى أن قطاع الإيجارات دخل مرحلة “التعادل”، متوقعاً استمرار هذا الاستقرار خلال العامين المقبلين. وأوضح أن زيادة المعروض من الوحدات السكنية نتيجة البرامج الحكومية ساهمت في تعزيز المنافسة بين الملاك، مما جاء لصالح المستأجرين من خلال تقليل الأسعار ومنح خيارات أكثر تنوعاً. كما أشار إلى دور “مؤشر الإيجار” الذي ساعد على ضبط الأسعار والإبقاء عليها ضمن حدود عادلة بناءً على القدرة الشرائية للمستأجرين، بدلاً من توقعات الملاك.
وأكد المطوع أن التراجع في الإيجارات -الذي وصفه بأنه تصحيحي- سيستمر على الأرجح هذا العام بنسبة تتراوح بين 5% و10%، خاصة في الوحدات التي شهدت ارتفاعات كبيرة سابقاً. وأوضح أن الأحياء الواقعة على أطراف المدينة والتي شهدت بناء مكثفاً خارج نطاق الخدمات الأساسية هي الأكثر تأثراً بتراجع الأسعار، بينما ستظل الأحياء المركزية المرتبطة بشبكات النقل العام ومراكز الأعمال أكثر استقراراً بسبب الطلب المستمر عليها.
كما أكد أن انخفاض الإيجارات يساهم في تعزيز الاتجاه نحو التملك بفضل زيادة القدرة الادخارية للأسر، مما يُسهل عليهم جمع الدفعة الأولى لشراء منازلهم الخاصة. وأضاف أن سوق العقارات بات أكثر اتزانا وواقعية، حيث أصبح قرار التملك يعتمد على تقييم منطقي للقدرة المالية بدلاً من المخاوف المتعلقة بعشوائية زيادات الأسعار كما كان شائعاً في السابق.
وأشار المطوع إلى أن الشقق والدوبلكسات هي الفئات الأكثر تأثراً بالتراجع نظرًا لوفرتها وسهولة بنائها مقارنة بالفلل التي تظل أكثر صمودًا من حيث الأسعار بسبب ارتفاع تكاليف إنشائها وتلبية احتياجات العائلات الباحثة عن الخصوصية والمساحات الأكبر.
من جهته، أشار صقر الزهراني، الخبير في الشأن العقاري، إلى أن سوق الإيجارات في الرياض لا يزال مدعوماً بعوامل رئيسية مثل النمو السكاني المستمر، الهجرة الداخلية إلى العاصمة، والتوسع الاقتصادي ضمن إطار مشاريع رؤية المملكة 2030. وأوضح أنه لا يتوقع وصول السوق إلى استقرار كامل على المدى القريب، لكن مؤشرات التوازن قد تظهر تدريجياً بحلول عامي 2027 و2029 مع ضخ المزيد من الوحدات السكنية الجديدة.
وتوقع الزهراني عدم حدوث تراجع حاد في أسعار الإيجار على مستوى مدينة الرياض بشكل عام، باستثناء بعض المناطق التي تشهد زيادة كبيرة في المعروض العقاري خلال فترة زمنية قصيرة، حيث قد تسجل انخفاضات تتراوح بين 5% إلى 15%. على النقيض، ستبقى المناطق المرتبطة بمراكز الأعمال والبنية التحتية الحديثة -مثل شمال الرياض والمحاور الحيوية- أقل تأثراً أو قد تحقق نموًا طفيفًا.
وفي ختام حديثه، أوضح الزهراني أن استقرار الإيجارات أو تراجعها قد يقللان التسرع في قرارات الشراء، لكنه لن يحد من رغبة المواطنين في التملك. بل إن انخفاض التكلفة الشهرية للإيجار يمنح الأسر مساحة أكبر للادخار وتخصيص دفعات مقدمة لتحقيق حلم امتلاك مساكنهم الخاصة، خصوصًا مع استمرار برامج الدعم الحكومي وتوفر خيارات تمويل متنوعة.






