سوق الإسكان الأمريكي لا يعاني من انهيار ولا يشهد انتعاشًا بل يعيش حالة من الجمود المستمر التي استمرت لثلاث سنوات بفعل تأثير أسعار الفائدة المنخفضة على الرهن العقاري، هذه الأسعار والتي استقرت تحت 4% بفعل طفرة إعادة التمويل خلال فترة الجائحة شكّلت عائقًا لحركة السوق، اليوم استبدال تلك القروض يعني تحمل فوائد تتجاوز 6% وزيادة كبيرة في الأقساط الشهرية مما يجعل التنقل أو الانتقال خياراً غير مجدٍ لغالبية الأسر.
هذا الجمود الناتج عن القرار الجماعي للملايين من ملاك المنازل بالبقاء في أماكنهم يعيد تشكيل السوق ليصبح أكثر بطئًا ومقاومة لتصحيح الأسعار، قروض الرهن العقاري ذات الفائدة المنخفضة توفر استقرارًا مالياً ولكنها تقيد حركة أصحاب المنازل وكما أشار توم مالون كبير الاقتصاديين بشركة كوتاليتي: “الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عامًا يعيد تشكيل سوق الإسكان، فهو يوفر حلاً مالياً طويل الأجل ولكنه يخلق حالة من الجمود في الحركة العقارية مما يقلل حجم المعاملات بدلًا من تعديل الأسعار بسرعة.”
في مقابل هذا النموذج الفريد بالولايات المتحدة أسواق العقارات في دول ككندا والمملكة المتحدة ونيوزيلندا وأستراليا تُعيد تقييم أسعارها بشكل أسرع حيث يتم ضبط فوائد الرهن العقاري بشكل دوري وفقاً للتغيرات في أسعار الفائدة، ومع ارتفاع تكاليف الاقتراض، ترتفع الأقساط الشهرية مما يجبر السوق على التكيف السريع عبر خفض الأسعار واستئناف المعاملات بحجم أكبر وبأسعار منخفضة.
في الولايات المتحدة الوضع مختلف فالاستحواذ على المنازل وامتلاك حقوق ملكية قوية جنبًا إلى جنب مع فوائد الرهن العقاري الثابتة يعطي الملاك القدرة على التمسك بمنازلهم وانتظار ظروف اقتصادية أفضل. نتيجة لذلك، يعاني السوق من انخفاض في المعروض وعدد المبيعات مما يساهم في اتساع الفجوة المتعلقة بقدرة السكن على التحمل.
وعلى مدى السنوات الأخيرة شهد السوق الأمريكي زيادة كبيرة في أسعار المنازل بنسبة 55% تفوق كثيرًا ارتفاع دخل الأفراد الذي بلغ حوالي 25%، هذا التفاوت أدى إلى تفاقم تحديات القدرة على تحمل التكاليف ومع تراكم مزيد من العوائق مثل ارتفاع الضرائب العقارية وأقساط التأمين أصبح تملك المنازل عبئًا ماديًا للكثير من العائلات رغم تمتع معظم الملاك بمزايا حقوق الملكية وأسعار الرهن المنخفضة.
تُعتبر التغييرات المرتبطة بأحداث الحياة الشخصية – كالزواج أو الانتقال بسبب الوظيفة – من الدوافع الرئيسية الحقيقية لأي حركة في سوق العقارات الأمريكي المتجمد، على العكس تشهد الأسواق العالمية مختلفة مستويات تكيّف أسرع مع الواقع الجديد من خلال التغير السريع في أسعار الفائدة وانخفاض الأسعار الحقيقية للعقارات.
في نهاية المطاف، يبقى النظام الأمريكي مأزوماً بسياقاته الخاصة حيث تستمر الأصول العقارية بحبس الأموال ضمن منظومة غير مرنة وتؤجل أي تحرك محتمل في السوق، ومع توقع المزيد من الضغوط الاقتصادية وإعادة تقييمات أوسع لأسواق الإسكان العالمية يظل مستقبل السوق الأمريكي حبيساً بين الاستقرار والجمود.






